سميرة وسورية: قرابة المعاناة واقعاً ورمزاً

ياسين الحاج صالح – الحياة

ليس تماثلاً ذاتياً يُفرض من خارج بين سميرة وسورية، بل هناك أوجه قرابة واقعية كافية تسوغ أن تكون المرأة المخطوفة والمُغيبة منذ عامين ونيف رمزاً للبلد المحطم والثورة المغدورة.

أبدأ من الوقائع الأقرب، فسميرة اختطفت في المرحلة الثانية من الثورة، المرحلة التي بدأت في عام 2013 وشهدت تصاعد عمليات تحطيم الثورة من داخل، من دون توقف عمليات تحطيمها من الخارج الأسدي. خطف سميرة، مع رزان ووائل وناظم، هو تتويج لمسلسل عمليات كان «داعش» بطله، خطفاً وقتلاً وتنكيلاً، لكن الطائفة السلفية بأجنحتها المتنوعة كانت أختاً شقيقة لـ «داعش» في المنهج.

ومنذ اختطافها، سميرة مجهولة المصير مثلما هي سورية مجهولة المصير، وليس هناك أفق واضح لخلاص المرأة المخطوفة، مثلما ليس هناك أفق واضح لتحرر البلد المنكوب. ومثلما أن المسؤول عن تدمير البلد وتحطيم المجتمع يُشوّش بكل الطرق على مسؤوليته عن النكبة السورية، ويجد من يُروِّج لتشويشه، فإن المسؤولين عن خطف سميرة، ورزان ووائل وناظم، يشوشون على جريمتهم، ضد كل القرائن الوفيرة على مسؤوليتهم عنها، ويجدون أيضاً من يروج لتشويشهم، ومن يُسفّه المطالبين بالحقيقة وبالعدالة لسميرة، ولشركائها رزان ووائل وناظم.

وسميرة الخليل رمز لاستمرار الكفاح السوري خلال جيلين لكونها معتقلة سياسية سابقة لمدة أربع سنوات في زمن حافظ الأسد، وشريكة في معظم الأنشطة الاحتجاجية في سنوات وريثه، وصولاً إلى الثورة حيث شاركت سميرة في تظاهرات سلمية، وساعدت في أنشطة أخرى متنوعة.

والمنبت العلوي لسميرة يجعل منها رمزاً لكفاحنا العابر للطوائف ولصفته الوطنية الجامعة، وهو ما جسّدته سميرة عملياً بزواجها من خارج بيئتها الأهلية، وبما كانت تكتبه من دوما حتى وقت اختطافها. كتابتها لا تظهر حساً إنسانياً استثنائياً فقط، ولا تحرراً تاماً من الحس الطائفي فقط، وإنما ينبثّ فيها أيضاً شعورها الثابت بأن سكان دوما هم أهلها، وأن العدو هو النظام الأسدي الذي كان يقصف ويقتل ويُجوِّع.

وأكثر بداهة بعد في هذه الرمزية أننا حيال اختطاف امرأتين، سميرة ورزان، من قبل تشكيل إسلامي عمل على فرض نموذجه الاجتماعي في دوما ومناطق سيطرته، يرمز لتعدد جبهات كفاحنا، أو لعدم اقتصاره على المعتدي الأسدي، وشموله الطائفة السلفية، التي قد تكون أصغر الطوائف السورية وأحدثها، لكنها مؤذية جداً، وحقود جداً وأنانية جداً. ما يرمز أيضاً إلى مشاركة نسوية كبيرة في الثورة يراد لها أن تطوى، وإلى كون القضية النسوية بعداً أساسياً من قضية الحرية السورية.

ويضاف إلى هذه الحيثية أن سميرة ورزان جمعتا، أثناء إقامتهما في دوما، بين مراعاة عوائد السكان المحليين وحقهما في أن تشبها نفسيهما. اشترت المرأتان من دوما معطفين أسودين يمتدان إلى الركبة، كانتا ترتديانهما كلما خرجتا إلى الشارع، لكنهما لم تغطيا رأسيهما. المراعاة والاحترام، نعم، لكن ليس التخلي عن بعد من تكوينهما يتصل بقضية الثورة: الحرية. وهما في ذلك تجسدان التنوع السوري، وتعترضان على التنميط والمجانسة القسرية.

ولا أستطيع الامتناع عن التفكير في أننا، أهالي وأصدقاء سميرة، ومعها رزان ووائل وناظم، لم نتلق عوناً في قضية أحبابنا من قادرين كثيرين عليه، مثلما لم تتلق ثورة السوريين غير أشكال مسمومة من العون، أنبتت، فيما أنبتت، خاطفي سميرة ورزان ووائل وناظم.

وفيما يخصني، فإن ما بين سميرة وسورية من تماثل يمر بواقعة أن امرأتي خُطِفت بعد أقل من شهرين من مغادرتي سورية، وبدء عيشي في تركيا لاجئاً، وبينما كنا نعمل على ترتيب خروجها هي أيضاً. الواقع أن الغوطة حوصرت حصاراً مطبقاً وقت خروجي في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2013، قبل ذلك كانت هناك حركة مُراقَبة بينها وبين دمشق، تمر عبر حواجز النظام الكثيرة، لكنها حركة ممكنة. هذا تواقت مصيري، ما كان في حسباننا. كانت سميرة مطلوبة من قبل النظام وقت جاءت إلى الغوطة في أيار (مايو) 2013 (وهي بالطبع حال رزان التي عاشت متوارية في دمشق لأكثر من عامين قبل مجيئها إلى الغوطة في نيسان/ابريل 2013)، وكان يلزم ترتيب خاص من أجل عودتها إلى دمشق بعد خروجي من الغوطة، وما كان الحصار الحربي المطبِق في البال.

وهكذا اقترن تغييب سميرة مع غيابي عن سورية، وهو اقتران يعززه أننا، سميرة وأنا، لم نخرج من بلدنا إلا مرات قليلة إلى لبنان، وأننا نحن الاثنين كنا بلا جوازات سفر، وأن سميرة رفضت استخراج جواز سفر لنفسها ما دمت أنا من دون جواز، بعد أن رُفض طلبي الحصول عليه مرتين. عشنا، نحن الاثنين، فوق خمسين عاماً من عُمرينا (سميرة أصغر مني بشهور فقط)، في البلد الذي لم نفكر في مغادرته يوماً. هذا إلى أن رحلتُ أنا إلى خارج متاهي، وأُخذِت سميرة إلى داخل معتم.

ليست حرية سميرة، ومعها رزان ووائل وناظم، أغلى من حرية أي سورية وسوري آخرين، وليس ألم سميرة ورزان ووائل وناظم أكبر من ألم أي أربعة من السوريين، وليس فقدي وفقد أحباب سميرة، ولا فقد أحباب رزان ووائل وناظم، أهم من فقد غيرنا، لكن لعل رمزية سميرة ورزان ووائل وناظم أكبر من رمزية غيرهم: امرأتان ورجلان، معارضون قدماء للنظام الأسدي، ثائرون مدنيون عزل، لاجئون في دوما، اختطفوا وغيبوا على يد من كان يفترض بهم حمايتهم. ولعلها في حالة سميرة تحديداً رمزية أكثر شفافية بفعل ما سِقتُ من اعتبارات أعلاه. لا أُفرد سميرة عن شريكتها وشريكيها، لكنّ لها بين الشركاء وضعاً منفرداً (عمرها الأكبر، اعتقالها السابق، منبتها العلوي…)، يتممه أنها كانت عابرة سبيل في دوما، حاولت المساعدة فيما تستطيع إلى حين يتيسر انضمامها إلى زوجها، ولم تكن عضواً في مركز توثيق الانتهاكات.

هذا الظلم الأكبر من أي ظلم، هذا التغييب في الظلام طوال أكثر من عامين وثلاثة أشهر، يقرب كثيراً بين سميرة وبين سورية وثورتها المصادرة.

من جهتي، لا أكتفي بهذه الشفافية الذاتية لرمزية المرأة والبلد، إنها شيء أتعهده بأن أروي قصة سميرة وشركائها، أعيدها وأكررها، وأكتشف جوانب منها ما كانت ظاهرة من قبل، وأعرضها لغيري. أن أحكي قصة سميرة وسورية وثورة السوريين، هذا هو عملي.

Advertisements