الوضع الحالي لقضية مخطوفي دوما الأربعة

ياسين الحاج صالح – القدس العربي

cropped-10460990_10154872024200203_1466096212682600727_n.jpg

بعد يومين من خطف سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي في دوما في الغوطة الشرقية، تواصلتُ مع الناطق الرسمي باسم «جيش الإسلام»، سلطة الأمر الواقع في المنطقة، طالبا منـــه العون وراجيا، بوصفي زوج ســــميرة، تزويدنا، أهالي المخــطوفتين والمخطـــوفين، بما يحتمل من معلومات عن الجريمة لدى الجماعة.
لم يرد الرجل على سلامي، وجاءت ردوده مقتضبة وجافة دونما مبرر. وختم سلسلة تبادلات بيننا بالقول، إن جيش الإسلام «يعمل على تحرير المدن من الطغاة»، وليس له قوات داخل دوما.
لم يكن هذا صحيحا. فلدى «جيش الإسلام» مؤسسة أمنية نافذة في دوما، وله حواجز منتشرة، ولديه سلسلة سجون اسمها «التوبة»، ثلاثة منها كانت معلومة في ذلك الوقت، وكان في تداول السكان منذ ذلك الوقت أن هناك سجنا رابعا، سريا. هذا بدون قول شيء عن أن اختطاف امرأتين ورجلين عزل لا يقتضي وجود قوة أمنية كبيرة.
بعد يومين إضافيين بادر الرجل الجاف نفسه إلى الاتصال بي ليبلغني بكلام لين هذه المرة أن تشكيله يجري تحقيقا في الجريمة. لم يكن ذلك صحيحا أيضا. لم يهتم «جيش الإسلام» وقتها ولا في أي وقت لاحق بتفحص مكان الجريمة، «مكتب توثيق الانتهاكات»، الذي كان في الوقت نفسه سكنا تقيم فيه رزان وسميرة، قبل أن ينضم إليهما وائل وناظم في سبتمبر 2013. كنت في ذلك اليوم نفسه وجهت اتهاما سياسيا إلى «جيش الإسلام» بالمسؤولية عن الجريمة، مرجحا أيضا مسؤوليته الجنائية. استندت في ذلك إلى معرفتي بواقع الحال في دوما والغوطة الشرقية، حيث كنت قضيت أكثر من ثلاثة شهور بين ربيع وصيف عام 2013، وكذلك إلى استحالة أن يتحدى أي تشكيل آخر جيش زهران في عاصمته دوما، ثم إلى حقيقة تعرض رزان إلى تهديد بالقتل من «جيش الإسلام» قبل أسابيع من الخطف. وقتها استاء مُكلّمي، واسمه إسلام علوش، من اتهامي لجماعته، وأمعن في التجاهل، فسألني عما إذا كنت متيقنا أن الأربعة لم يتركوا دوما بإرادتهم!
في الشهر الأول من عام 2014، بعد نحو ستة أسابيع من الجريمة، كان زهران علوش بنفسه، يقول في مقابلة تلفزيونية: «ليس لنا ولا جندي واحد ولا مجاهد واحد في دوما»، «نحن جيش عسكري بكل ما تحمله الكلمة من معنى»، و»لا نجلس في المدن». ولمح علوش إلى «كتائب متسكعة» لها مقرات في دوما. ومثل الناطق الرسمي باسمه، استطاع قائد «جيش الإسلام» أن يقول: نحن «لا نمارس دورا أمنيا»، وأشار إلى أن «جهات أخرى تمارس دورا أمنيا هي التي تسأل عنهم (المخطوفين الأربعة)». لكن علوش الذي لم يكن يقول الصدق، ويعرف أن معظم من كانوا يشاهدونه، وأولهم أنصاره بالذات، يعرفون أنه لم يكن صادقا في ما قال، ناقض نفسه على الفور تقريبا حين أضاف: «حولنا الأمر إلى مركز التوبة ليحقق في الموضوع، ولا نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك». وللأسف لم يسأله محاوره عما يكون هذا الشيء الذي اسمه «مركز التوبة»، وكيف يحيل الأمر إلى مركز التوبة الأمني من كان يقول قبل لحظات فقط إن جيشه لا يمارس دورا أمنيا!
في لقاء تلفزيوني على قناة «الجزيرة»، في يونيو 2014 نفسه، كان الرجل الطموح يسهب في الكلام عن الوظائف التي يقوم بها تشكيله، ومنها وظائف تعليمية (مؤسسة «اقرأ») ووظائف أمنية وقانونية، فضلا عن العمل العسكري. يحصل أن يعمي الطموح المرء عن تناقضات أقواله وأفعاله في ما بينها، وليس فقط مناقضتها لما يفترض أن يوجبه دينه عليه من أمانة وصدق.
وفي آخر أغسطس 2014، بعد شهرين من كلامه السابق، كان زهران علوش يسأل في مؤتمر صحافي رتبه لنفسه في الغوطة الشرقية عن «الناشطة رزان زيتونة»، فيقول إن جيشه «شكل لجنة أمنية» (للتحقيق في الجريمة التي كان انقضى ما يقرب من تسعة شهور على ارتكابها)، وأنه منذ أيام قليلة فقط أُرسِل له تقرير عن عمل اللجنة، وأنه ربما صار بمتناوله «أطراف خيوط»، لمح إلى أنها «تتعلق ببعض الاتجاهات الخارجية». قال أيضا إننا «نتابع الموضوع». وبعد عام وثلاثة أشهر لم يشعر زهران بالحاجة إلى توضيح نتائج متابعته للموضوع، وإلى أين قادته «أطراف الخيوط».
خلال هذا الوقت كانت تجمعت لدينا، أهالي المخطوفتين والمخطوفين وأصدقائهم، قرائن كافية، ترجح مسؤولية «جيش الإسلام» الجنائية، منها أن شخصا معروفا بالاسم دخل إلى كمبيوترات المخطوفين، وهذا الشخص من جماعة علوش، وأن شخصا آخر معروفا بالاسم أيضا كتب تهديدا بالقتل لرزان قبل أسابيع من الجريمة، وقد كان موقوفا على ذمة القضية من قبل جسم قضائي محلي ضعيف الولاية، ويشعر القائمون عليه بأنهم غير آمنين على حياتهم. زهران شخصيا زار الموقوف وتوعد بالإفراج عنه حين لم يسمح له بالانفراد به، وهو ما تم فعلا بعد حين. الرجل في دوما اليوم، يعمل في المؤسسة الأمنية لزهران. نعلم أيضا أن «شرعي» زهران، واسمه معروف كذلك، هو من حرض كاتب التهديد، وهي معلومة أيدها في اتصال مع كاتب هذه السطور أصدقاء محليون لكاتب التهديد، وليسوا خصوما لزهران وجيشه.
هذه المعلومات وغيرها أوردناها في مواد منشورة، ودعونا إلى تحكيم بيننا وبين زهران في شهر مايو من هذا العام، بما يمكن الرجل من أن يدافع عن نفسه، ويمكننا معا من التعاون لكشف ملابسات جريمة يقول انه لم يرتكبها. لم يستجب زهران، واعتصم بإنكار هش، بينما دفع جماعته إلى التسفيه، وفق استراتيجية التهويش المألوفة: من يتهمونه هم أعداء للإسلام! يحولون على هذا النحو جريمة سياسية محددة المعالم إلى قضية صراع عقدي.
دعوة التحكيم التي لم يرد عليها من قبل زهران وجماعته وجهناها، أصدقاء وشركاء في القضية للمخطوفين الأربعة، وقت كان الرجل في تركيا في أبريل ومايو 2015. وكان مما قاله لبعض من قابلوه في اسطنبول وقتها أن لديه ملفا ضخما في شأن القضية، وأن جماعته سيوفرون معلوماته في وقت قريب للعموم. وبدا لمقابليه أن تلميحاته وقتها كانت تتجه نحو «جبهة النصرة»، وليس نحو أي «اتجاهات خارجية». انقضت سبعة أشهر على ذلك الكلام، ولم يعلن الملف.
هل يحتمل فعلا أن سميرة ورزان ووائل وناظم أسرى عند «جبهة النصرة»؟ هذا وارد، والكلام في شأنه متداول، لكن الاحتمال ضعيف جدا في أن تقدم «جبهة النصرة» على الجريمة من دون تنسيق مع زهران وفي إطار صفقة ما بين الفريقين.
كان لافتا وقت زيارته لتركيا أن زهران حاول عرض وجه براغماتي، فصار من كان يقول قبل قليل: الديمقراطية تحت قدمي، وأنه لن يقبل بـ»مبدأ فوق دستوري اسمه الديمقراطية»، يتكلم هذه المرة على «الشعب السوري» وعلى اختياره لمن يحكمونه. وفي مقابلة مع صحيفة أمريكية، ميز الناطق باسم جيشه، هو نفسه المذكور في مطلع المقال، بين كلام متشدد بغرض «الاستهلاك الداخلي»، هذا تعبيره، وبين ما يفترض أنه الموقف الحقيقي المعتدل. هذا حضيض من عدم احترام جمهور مسانديه بالذات، قلما انحدر إليه متكلمو النظام الأسدي. في ذلك الوقت نفسه كان هذا الرجل نفسه يتصل بناشطات وناشطين «علمانيين»، معروفين، يمهد لهم بأن قائده زهران شخصيا سيتصل بهم قريبا. بدا أن تلك حملة علاقات عامة لتبييض السمعة، لكن الاتصال الموعود لم يجر. ربما خشي الجماعة أن ينقلب عليهم مخططهم.
أورد هذه المعلومات لأن من المحتمل أن يكون ملف القضية «الضخم»، الذي كان من المفترض أن يعلن قرييا وقتها، ربما يكون مجرد بند في حملة علاقات عامة، كان من مفرداتها المعلومة زيارة أشخاص، وحسن استماع لأشخاص، وعرض وجه أقل انغلاقا أمام أشخاص.
هذه الجملة من التصريحات والمواقف المناقضة للواقع والمتناقضة في ما بينها ترجح بقوة ضلوع تشكيل «جيش الإسلام» في دوما في اختطاف أو ترتيب اختطاف سميرة ورزان ووائل وناظم قبل عامين من اليوم. وهي تصلح منطلقا لمحاسبة الجناة وتحقيق العدالة.

Advertisements