ناظم الحمّادي.. صخرة دمشق التي لا تنكسر ..

ميساء الحمّادي – طعلنا عالحرية

لن أتحدث في مقالتي هذه عن ناظم الناشط والمحامي لجهلي بالكثير عن تفاصيل نشاطاته التي أصرّ أن يبعدنا عنها خوفاً علينا، بل سأتكلم عن ناظم الأخ والشاعر ذي الإحساس الرقيق، هذا الإحساس الذي يجهله الكثير من أصدقائه.

لم يكن ناظم الشقيق الأكبر لثمانية أخوة فحسب، بل كان الأب والمعلّم الذي أخذ على عاتقه مسؤوليتنا جميعاً، وقد تجلّى ذلك من خلال إصراره على استمرارنا في التعليم وخاصة نحن البنات، ومحاولاته بناء جسور لنا مع العالم الخارجي -خارج دائرة حارتنا الشعبية- فكان أول أخّ يصطحب شقيقاته معه لحضور مسرحية وحفلة لمحمد منير! لا أنسى عينيه تلك الليلة وبريقهما وسعادته بنّا..

كان حريصاً على أن يكتب استمارة دخولنا إلى الجامعة رغم معارضة كلّ من حولنا، فهو الوحيد الذي كان مؤمنا بقدراتنا وخياراتنا. بعدها رأيته نائماً على حجر أمّي تغنّي له أغانيها القديمة، ربّما ليعيش طفولته التي ضاعت بالتفكير بمصيرنا… يا إلهي من أين يأتي بكل هذه الصلابة ليواجه عادات وتقاليد مجتمع بأكمله!…

نعم، من هنا بدأ ثورته قبل ثورتنا بكثير.

اتجّه بداية للتمثيل، ربما يستطيع من خلاله إيصال رسالته، ولكنّ المسرحيتين اللتين قام بدور البطولة فيهما لم تلقيا الصدى الذي تمنّاه، أحسّ حينها باليأس والانكسار ولكنّه ظلّ يبحث عن طريقة أخرى يوصل فيها أفكاره وقناعاته، فيكتبها ويمزقها ثم يكتب ويمزق ثانية… ويكتب ويمزق إلى حين صدور ديوانه الشعري الاول (أوراق التوت الغامضة).. فاحتفلنا به وبصبره وبأفكاره. والأصح أننا احتفلنا لأنفسنا لوجوده بيننا..

كان أول شخص في حيّنا ينشئ مكتبة منزلية تعجّ بدواوين محمود درويش ومجلة عالم المعرفة. “عليكم بالقراءة” كان يقولها لنا دائماً “فهي الطريقة الوحيدة لتعرفوا الأمل”.

كان يبكي لساعات طويلة أحياناً في غرفته. كنت أجهل أسباب بكائه وخوفه. مرّت عليه لحظات ضعف كثيرة وفشل أكثر، ليقف بصعوبة بعدها على قدميه ويكمل ما بدأه لوحده. واستمر في ذلك إلى أن قامت ثورتنا لتلتقي مع ثورته التي بدأت قديماً ويكملا الطريق معاً. حينها ترك المنزل وذهب ليسكن وحده ربما كي لا يعتقل أمام أعين أمّي، فهي لم تكن أمّه فقط بل كانت سّر ما هو عليه الآن.

بدأت حينها رحلة خوفه ووحدته على الرغم من أنّه لم يعتد البعد عن العائلة لفترات طويلة، ثلاث سنوات لا نعرف أين يذهب او ماذا يفعل، إلى أن أقام في بيتي في السنة الأخيرة لأكتشف فيه إنساناً آخر أذهلني. ورغم معرفتي بحبّه للأطفال كان يصرّ على أن يعامل الطفل معاملة واعية فقد كان يتصرف مع ابني ذي الثلاث سنوات كأنّه شاب صغير؛ يجلسان ليتناقشا بنوعية طعامه الذي يفضّله مثلاً، ويعطيه من وقته ليجلس على حاسوبه الشخصي رغم أشغاله الكثيرة. لم أكن أستغرب ذلك فقد تذكرت كيف أنّه مرة جلس مع طفل صغير يبيع العلكة على جسرٍ في دمشق، وأعطاه كل المال الذي كان بحوزته (رغم أنّه لم يكن كثيراً) وبكى يومها لعجزه وعجز العالم أمام براءة الطفل وشقائه…

انتقل بعدها إلى منزل آخر وذلك بسبب خطورة الإقامة في مكان واحد لمدّة طويلة، بعدها مباشرة جاءت قوات الأمن إلى منزله الجديد واقتحمت المنزل بعد كسر الباب وبدأوا بالتفتيش في كامل المنزل بعد أن رموا جميع أغراضه الشخصية على الأرض.. كانت ليلة لن أنساها ما حييت .. لكن من حسن الحظ وسخرية القدر أنّهم كانوا يبحثون عن شخص آخر كانت شقته مقابل شقة ناظم.. ضحك كثيراً كثيراً حينها..، وأنا اعتصر قلبي ألماً عليه وصار جزءا من مخاوفي اليومية.

غادرت سوريا بعدها إلى تركيا. طلبتُ منه القدوم معنا، وافق في البداية ربّما لأننا كنّا آخر من تبقّى له في دمشق فهو يكره الوحدة كثيراً والوداع، لكنّه رفض الخروج بعد ذلك وأتذكر مقولته التي صدحت في أذني “لمين راح نتركها؟.. إذا نحن السلميين تعبنا وتركنا وهاجرنا راح نترك الكلمة الأخيرة للسلاح”. كان ناظم من أشدّ المعارضين لتسليح الثورة، وكان يقرأ نهاية الثورة من خلال تسليحها ويرى أن المستفيد الحقيقي من السلاح لم يظهر على الساحة بعد.

في إحدى الصباحات شهقت روحي شهقة طويلة.. ولكن لا.. لن أتوسل الخاطفين، فأنت حرّ رغماً عنهم، ولن ترضى لمثلهم أن يذلونا أو يقتلوا ثورتنا..

لقد كبرنا بغيابك أكثر من سنواتك الأربعين مجتمعة والتي عشتها معنا يا ناظم. أنا متأكدة أنّك سوف تعود لتحيا وتنتصر وتبكي وتفرح فهكذا كنت وستبقى صخرة دمشق التي لا تنكسر..

وأكرر الآن جملتك المفضّلة التي تحبّها.. “لا كرامة لنبي في وطنه”.. لعلّ من قاموا بخطفك يقرؤون كلامي الآن ويدركون أيّ ذنب اقترفوا بسجنك في زنزانة لا تتسع لأحلامك..

Advertisements