عمر قدور – يومَ اختُطفنا معهم

Nawafez103

في صورة لها، انتشرت بعد اختطافها في «دوما» مع رزان ووائل وناظم من قبل جيش الإسلام، تظهر سميرة الخليل في يسار الصورة التي يشغل مساحتها الأكبر باب حديد. الباب، الذي يبدو ضخماً، عليه نجوم وعمليات حسابية بسيطة كُتبت بالطباشير، مع ثقوب يُرجح أنها تعود لشظايا قذائف أطلقتها قوات النظام على دوما. يد سميرة تمسك بدرفة الباب، وتحجب قسماً من وجهها الباسم، كأنها تلعب لعبة الاختباء والتخفي. ربما تكون سميرة قد أغلقت الباب على نفسها وعلى أصدقائها، لئلا نراهم الآن، ربما ستعود لتفتحه على آخره ضاحكة، وربما ستبادرنا بالقول: ألم أحدّثكم طوال الوقت عن طيبة الناس هنا؟ ألم تلمسوا في كلماتي الأمان الذي نعيشه؟

في التاسع من ديسمبر 2013 كانت والدة رزان زيتونة قد اشترت لها الشوكولا والحلويات، على أمل أن تحظى بمن يوصلها إلى رزان في الغوطة المحاصرة. رزان في حديث مع أمها على الـskype كانت قد اعترفت لها بأنها لم تتناول شيئاً، لا هي ولا أطفال الغوطة، منذ أيام طويلة. من خلال ما كتبته الأم صرنا نعرف أن رزان تحب الشوكولا، رزان التي كتبت نصاً بعنوان «خبراء توثيق الموت من أمثالنا لا يبكون»، وصادف أن نُشر النص تزامناً مع عيد ميلادها الخامس والثلاثين. امرأة تجلس ساعات أمام تسجيلات اليوتيوب لتوثّق حالات القتل، تغالب البكاء أمام الجثث وأمام حالات الاحتضار، تكاد أن تمسك بيد المحتضر على الشاشة، وتأخذه بعيداً عن أولئك الذين «يتصارخون حوله: انطق الشهادة.. انطق الشهادة». إذ ربما يكون لدى المسجى في الشريط شيء حميم ليقوله، كلمة حب أخيرة، اعتذار لأحد ما، ربما شيء من اللغو أو الهذيان. في كل الأحوال، ليس متوقعاً منه أن يبتهج بأولئك الذين يتصارخون «مبشّرين» بشهقاته الأخيرة. ربما هو أيضاً يلعب لعبة المحتضر، وسينتفض واقفاً ليغادر اليوتيوب، ويعتذر عن تسببه بتلك الدموع التي أبت أن تُذرف، لكن من شبه المؤكد أنه يحتفظ لنفسه بأمل ما في النجاة.

سيكون مؤسفاً ألا نعرف شيئاً يُعتدّ به عن وائل، زوج رزان، أو عن رفيقهما ناظم الذي يُذكر أنه يكتب الشعر أيضاً. وائل الذي يبدو كأن دعم رزان والوقوف إلى جانبها أصبح قضيته الأولى، شأنه شأن سميرة الخليل التي يكتب عنها ياسين الحاج صالح: «شيئاً فشيئاً بعد زواجنا كنت قد صرت مشروعها، وكانت تريد لهذا المشروع أن يثمر». ياسين نفسه هو المختطَف الخامس من المجموعة، على رغم أنه نجا، فالنجاة في مثل هذه الحال لا تعدو كونها تذكيراً دائماً بمحنة الزوجة والأصدقاء. المصادفة التي تركت ياسين طليقاً ليست ذات مغزى كبير، مثلما هي المصادفة التي تركت البعض منا طلقاء، بينما توزع أصدقاء آخرون على المعتقلات أو المقابر. ثمة عشوائية ما في هذه القسمة، ربما. لكن أبعد من ذلك، ثمة سلسلة بشرية طويلة تتحدث عنها رزان في آخر نص كتبته، ونشر مصادفةً يوم اختطافها.

من ضمن السلسلة البشرية التي تحدثت عنها رزان هناك أشخاص لا نعرفهم خسروا صوتهم، أناس صامدون شجعان أو أناس عاديون كانت صفحة سميرة الخليل على الفايسبوك تضج بهم، مثلما كانت نصوص رزان تنقلهم إلى فضاء الكتابة الأرحب. كانوا بمثابة وكلاء معتمدين وموثوقين للأمل، وكان فائق المير قد اعتقله النظام قبل نحو شهرين. العميم (تصغير العم)، كما يحب أن يُخاطب، وسميرة ورزان كانوا الصوت الذي طالما نقل الأمل والثقة من الأرض إلى الفضاء الافتراضي أو فضاء الكتابة. وراءهم أناس يستحقون أن يُسمع صوتهم، أناس سنتأكد بعد حين أنهم ليسوا الأقوى مقارنة بجيش الإسلام أو ما يشبهه، لكنهم لا بد أن يكونوا الأكثر ديمومة؛ لا بد أن نحافظ على اعتقادنا هذا وفاءً لما قاله أولئك الثلاثة. لعلنا نتحدث الآن عن سلسلة بشرية مختطَفة، إما مع رزان وسميرة وناظم ووائل أو مع فائق المير.

تكتب رزان: «كأننا في سلسلة بشرية طويلة تحمل المعاول وتتقدم ببطء وثبات من نهاية الطريق… طوبى لمن سيجتازه في النهاية». لكن رزان تتمسك بحق المحتضر في أن يقول كلاماً خاصاً به، لا شهادة تُملى عليه، أي أنها لا تنفي فرادة أحد من السلسلة. هذا هو المفهوم العميق للثورة، المفهوم الذي لا يفهمه الخاطفون، ولا يفهمون أنهم بانتزاعهم أربع حلقات من السلسلة قد قطعونا بضربة قاصمة. تكتب أيضاً: «خبراء توثيق الموت من أمثالنا لا يبكون، يكتفون بالمشاهدة بأفواه فاغرة وجبين مقطب، وفي لحظات معينة يسمعون صوتاً يعوي داخلهم». اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة لذاك الصوت كي يملأ برية العالم عواءً.

Advertisements