عساف العساف: مشهدان وحكاية… بخصوص مخطوفي دوما الأربعة

assaf

فور دخولهما، وائل ورزان، إلى منزل سميرة وياسين، وبعد سلام حارٍ وسريع، أخرجت رزان مجموعة من الكتب من حقيبتها ووضعت نسخة أمام كل واحد منّا، وبصوت لطيف وحاسم: “هاتوا كل واحد 200 ليرة (ما يعادل 5 دولارات وقتها)”.

كان واضحاً أن لا خيار لدينا، دفعنا ما ترتّب علينا وقبل أن نسأل أوضحت رزان أن ثمن هذه الكتب (التي تبرع بها أحد الكتّاب السوريين) سيذهب لجمعية تعنى بأهالي المعتقلين وعائلاتهم. كان هذا جديدًا على معرفتنا برزان وعملها الحقوقي والإنساني، فأن تدافع عن حقوق المعتقلين السياسين وسجناء الرأي شأن، والعناية بأهلهم وعائلاتهم شأن آخر، يبدو أنه كان موازيًا لعملها الحقوقي على الدوام.

هل من داعٍ لشرح صعوبة هذا العمل وخطورته في تلك الأيام؟ أن تكون منخرطًا بشكل تام بشؤون معتقلي السياسة والرأي في سوريا بشار الأسد، يعني أن تكون في “بوز المدفع” -على ما تقول أمثال السوريين- في مواجهة منظومة القمع والاستبداد.

يومها تحدثت رزان عن عنصر الأمن الذي كان يلاحقها كظلها خلال الأسبوع، يبقى في المحكمة خلال فترة الدوام، ويمشي خلفها عند خروجها إلى المنزل. مازحتها يومها أن عنصر الأمن هذا هو ملاكك الحارس كما في الفيلم الشهير “حياة الاخرين”.

في أحد مقاطع الفيديو المنشورة على اليوتيوب، يظهر زهران علوش في مؤتمر صحفي في الغوطة يتحدث عن مخطوفي دوما (سميرة ورزان ووائل وناظم)، وأنه شكّل لجنة لمتابعة الأمر والتحقيق في ملابساته، ويبدي تذمّره من التركيز على قضيتهم، وأنه يجب الحديث عن المعتقلات من “نساء المسلمين” وعدم نسيانهن، فيجيبه أحد الحاضرين: أركّز وأسأل عن هؤلاء بالذات لأني إذا إعتقلت أو إختطفت أريد من يسأل عني ويتابع قضيتي”.

عندما شاهدت هذا الفيديو وبحسرة وشعور بالعار والخذلان علقت: “يا عيب الشوم”، لأني كنت أعتقد وآمل أن هذه القضية بالذات سيكون لها وقع واهتمام خاص من قبل الذين يقولون أنهم ثوار، اهتمام خاص ليس لأن المخطوفين شخصيات معروفة، أو أن منظمات حقوقية عالمية تعرفهم وتطالب بهم، أو لعملهم وخدمتهم للثورة، لكن لعملهم السابق للثورة، عملهم الإنساني بالذات، عملهم المتعلق بالعناية بالمعتقلين وأهليهم. وقت كان أغلب السوريين يخافون مجرد الاقتراب والتعامل مع معتقل سابق أو حالي تجنباً للمشاكل ولـ”وجعة الرأس”، على ما علمتهم ممارسات النظام بهذا الشأن، كان هناك من نذر حياته ونفسه لهؤلاء المعتقلين وأهلهم دون تفريق بين معتقل وآخر (كان غالبية المعتقلين في تلك الفترة من الإسلاميين بالمناسبة). كنت أمني نفسي قبل أن تنجلي بعض الحقائق أن “جيش الإسلام” سيقلب أرض الغوطة بحثا عن سميرة ورزان ووائل وناظم، وفاءً وعرفاناً بالجميل. كنت مقتنعاً أنها مناسبة لتمثل تلك الحكاية التي كنا نرويها صغارا، وتسرد عن فارس أركب محتاجا على فرسه في البرية ليسرقها هذا المحتاج، وقبل أن يبتعد به صرخ عليه فارسنا: “أن لا تخبر أحدا أنك حصلت على الفرس بهذه الطريقة حتى لا تضيع المروءة بين الناس”.

 

ما زلت أرى أن هذه القضية أخلاقية بالدرجة الاولى قبل أن تكون حقوقية أوسياسية أو أي شيء آخر، وأنها كانت مناسبة لإعادة الاعتبار للأخلاق، وإعادتها إلى حيز الشأن العام، شأننا السوري الذي نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى لأن يكون له منظومة وضوابط اخلاقية جديدة وأصلية تخفف عنا محنتنا وتداعياتها؛ وأيضا لإثارة موضوعة الأخلاق في السياسة. أليس هذا سؤالاً اشكالياً أرق السوريين في محنتهم المستمرة، ودفعوا الأثمان الغالية من جراء بقائه دون جواب!

أطلقوا سراح سميرة ورزان ووائل وناظم، قبل أن تضيع المروءة بين الناس.

Advertisements