رزان زيتونة… من يسجن الفراشة؟

هنادي زحلوط : كلنا شركاء

ما أزال أبتسم كلما تذكرت لقائي الأول برزان نهاية العام 2007، صحبة ابن العم أبو هشام، وياسين الحاج صالح، وقت محاكمة أبو علي فائق المير، المتهم يومها بالاتصال بدولة معادية هي (لبنان)!

كان الحصار يخنقني في اللاذقية، ذاك الصباح استقليت الحافلة المتجهة إلى دمشق وعدت مساء دون أن يدري أهلي أي محاكمات أتابع أو إلى أي حرية أتوق!

اقتربت من رزان زيتونة، وياسين الحاج صالح، وعرفتهما بنفسي، قلت بأني أعرفهما، ياسين الذي ظهر في فيلم (الطريق إلى تدمر) الذي شاهدته سرا لدى أحد الرفاق في اللاذقية، ورزان التي كانت قد نشرت صورتها الباسمة وهي تتحدث على الهاتف، بجانب مقال لها حول جرائم الشرف في سوريا.

ابتسمت رزان وقالت لياسين: “شايف؟ صرنا من المشاهير!”… لم أر في حياتي وجها تليق الضحكة به كما تليق بوجه رزان…

أخبرتها في حديث عابر أني كنت أتوقعها في الخمسين، أو الستين من عمرها، بنظارة سميكة، أو بمجهر مكبر على أقل تقدير، ابتسمت مخبأة التعب بداخلها، وسألتني عما أكتب وما أقرأ، وقبل أن تودعني عائدة إلى اللاذقية كانت قد أضافتني لقائمة أصدقائها، فعليا وليس افتراضيا،

على أن أطمئنها في المساء بوصولي إلى منزل عائلتي “بدون مشاكل”.

بعد أن انتقلت للعيش في دمشق حيث تحصلت على عمل هناك في وزارة الزراعة السورية كنا نلتقي أنا ورزان والرفاق حيث المكان الذي تحبه، الحديقة البيئية، كان متنفسا لها، وهناك عرفتني على صديقها القديم الجميل، فارس مراد، المعتقل الذي أمضى ما يزيد على ثلاثين عاما في سجون النظام.
كانت تهتم بفارس بصورة خاصة كأنه طفلها، أو كأنها طفلته، كان ظهر فارس قد حناه السجن، فحنا بعينيه نحو رزان كابنة موعودة، أرقبها وأحس كل يوم أراها أنها أم لكل معتقل.

كانت تبدأ نهارها قبل الثورة ب”دولة قهوة” وصحن سجائر يزدحم ويزدحم، تعمل على موقعها (رابط معلومات حقوق الإنسان في سوريا) الذي خصصته لنشر أخبار حقوق الإنسان في سوريا، كانت تعمل فيما يقارب العشرين ساعة يوميا، بين منزلها والمحكمة وعائلات المعتقلين، وتهرب سرا الكتب الممنوعة من النشر لبيعها لمساندة هذه الأسر، وتتابع ملف المعتقلين في سجون الاحتلال، وكنت أستغرب من أين تأتي بكل هذا النشاط في بلاد يحكمها كل هذا الجمود!

أيلول 2008 أزورها وأنا أحاول اجتياز ضغوطات عديدة، أخبرها أني سوف أتسجل في دورة للرقص العالمي الكلاسيكي، تنضم إلي رزان وهي تخبرني أنها كانت تحتاج رفيقة تذهب معها، وأصمت أنا، لقد كنت أنا من أحتاجها بجانبي، أنا الخائفة من كل شيء، وهي القوية في كل شيء!

كانت تجد صعوبة في الانسياق لسلاسة ايقاع السالسا والتانغو، كان الدرس بالنسبة لها أصعب من درس الفيزياء الذي تكرهه، لكن بداخلها كانت هنالك فراشة تريد أن تطير وتطير!

مات فارس مراد، صبت حزنها عليه في الإعداد لفيلم تسجيلي يحمل شهادات عن سيرته، لم تمنعها سيارة الأمن التي كانت تلاحقها أو الدورية أمام منزلها في شارع بغداد من العمل والعمل، كانت تريد أن يكون الفيلم الذي سجلته مع عباس عباس وناظم ورفاق آخرين جاهزا في الذكرى السنوية الأولى لرحيل فارس في التاسع من آذار، لم تنم مطلقا لثمان وأربعين ساعة، كانت تسابق الوقت وكأنها في موعد مع فارس!

كانت تلبس ثياب أمي دون أن أدري أو تدري هي، توبخني، تصرخ في وجهي، أو تضمني وتبكي، لكنها كانت دوما قوية وتريدني أن أكون أقوى وأقوى!

كطعنة سكين كان خبر اعتقال مهند الحسني سنة 2009 عليها، لم يكن ينقصها المزيد بعد اعتقال صديقها أنور البني والحكم على معتقلي إعلان دمشق وموت فارس، رزان التي كانت أختا لكل رفاقها، مازن وناظم وحسين وياسين وسميرة و… كانت مزيجا رهيبا من الضعف والقوة!

كانت متخفية منذ بدء الثورة، كنت أطمئن عليها من حين لآخر، واتجنب سؤالها عن رقم هاتفها، رغم أني كنت أحتاج لسماع صوتها، وكنت أرتجف لمجرد التفكير بأني سأعتقل، اتصلت بي وأخبرتني بأنها سترسل قطتها المريضة إلى لأعتني بها، القطة الصغيرة باتت بحاجة لعناية طبية، وهي لا تستطيع ايصالها للطبيب..
كان قد مضى على دخول القطة العناية الطبية أربعة أيام عندما اعتقلت للمرة الأولى، ويوم خرجت علمت أن القطة قد هربت من عيادة البيطري بعد اعتقالي، ربما لم يرق لها الحال بعيدا عن رزان وكانت محاولتها الجنونية تلك للعودة إليها.. وضاعت القطة..

لم أتمكن من وداع رزان عندما غادرت البلاد، كما لم أتمكن من وداع أمي…
يوم زرت ايطاليا لنيل جائزة (إيلاريا ألبي) أرسلت لها صورا من هناك لفتيات ايطاليات يتزلجن ويرقصن، أذكر أنها قالت لي “ايمتى يا ترى رح يكونوا ولادنا قادرين يعيشوا متل بقية الناس…”..

لطالما شكوت لرزان ممارسات رفاقنا من الساسة ومن أحزاب المعارضة وقياداتها، طالبة منها أن تعلي صوتها في وجوههم، رزان التي كانت وما تزال “ضمير الثورة”، فطلبت مني أن أسجل تلك الملاحظات، وأنشرها مقالات، وأرسلها رسائل لهم على ايميلاتهم، وقالت لي غاضبة “قوليلهم هالشي بوجههم”!

رزان الفراشة، التي طالما كانت الفراشة، في تطلعها للحرية، النور الذي لن يطفؤه أحد..
اختطفت مع سميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، منذ عام خلا، ولم يخلو يوما من الحلم بحريتهم، وحريتنا

بانتظارك أنا يا رزان

Advertisements