ياسين الحاج صالح في الذكرى السادسة لاختطاف ثوارنا رزان زيتونة وسميرة خليل وناظم الحمادي ووائل حمادة

قضية مخطوفي دوما الأربعة ومواقف تشكيلات المعارضة السياسية

http://alhayat.com/Opinion/Writers/2876050

وقت اختطاف سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي، أصدر «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» بياناً فاتر اللهجة، قال فيه إنه يحمّل «الجهات التي أقدمت على هذا الفعل كامل المسؤولية عن سلامة المختطفين»، و «يدين عمليات الخطف بشكل عام»، ويؤكد «سعيه الحثيث بالتنسيق مع كتائب الجيش الحر لتوفير ما يلزم لإطلاق سراح المختطفين منهم».

انتهى الأمر عند هذا الحد، ولم يقل «الائتلاف» شيئاً إضافياً عن المخطوفين الذين تقترب ستة أشهر من الانقضاء على اختطافهم، ولم يسمِّ الجهات الخاطفة على رغم أنها باتت معلومة اليوم بقدر كاف من الموثوقية. كما لم يشعر «الائتلاف» كهيئة، ولا وجوهه المعروفون، بضرورة الاتصال بأحد من أهالي المخطوفين، إن من باب التعبير عن التضامن والمساندة، أو لإحاطتهم بنتائج «السعي الحثيث» لضمان إطلاق المخطوفين.

وفي اليوم ذاته، 10/12/2013، أصدر «اتحاد الديموقراطيين السوريين» المشارك في الائتلاف بياناً أقوى لهجة، قال فيه إنه يطالب «بإطلاق سراح الناشطين الأربعة فوراً وضمان سلامتهم، ويدين هذا العمل المنافي لقيم الثورة السورية ومبادئها». وشبّه «اتحاد الديموقراطيين» الجريمة بأفعال النظام، وقال إن مرتكبيها «يدّعون الثورة لفرض أيديولوجياتهم وأجنداتهم على الشعب السوري». وأضاف أن «حماية المواطنين السوريين، وأمنهم، تقع على عاتق من يبسط سيطرته على الأرض. وأن أي عمل عنفي ضد الناشطين الحقوقيين والإعلاميين، جريمة، يجب أن يحاكم كل من يقوم بها، وسيحاسبهم الشعب السوري عليها».

 لكن «الاتحاد» بدوره لم يعد إلى القضية منذ ذلك اليوم، ولا هو اهتم بالاتصال مع أهالي المخطوفين لمشاركتهم المعلومات أو للتضامن.

 أما «إعلان دمشق» فتأخر حتى 12/2/2013 كي يصدر بياناً ذكر فيه أن رزان وسميرة كانتا «في مرحلة من المراحل ناشطتين فيه». وبعدما دان اختطاف الناشطين الأربعة، مضى البيان إلى حد القول إنه «يحمّل جيش الإسلام المسؤولية الأخلاقية عن اختطافهم وعدم تأمين الحماية لهم، كونه الجهة النافذة في الغوطة الشرقية عموماً وفي دوما خصوصاً». ورأى البيان أن الخطف «يدلل إلى أن [هناك] من يحاولون العبث بالثورة السورية وحرفها عن أهدافها التي قامت من أجلها (…)، ومن أجل أن يعيش السوريون في ظل دولة مدنية ديموقراطية تعددية، و [أن هؤلاء] باتوا ظاهرة، تضر بالثورة وتخدم (…) النظام الذي تدّعي مواجهته»، وقدّر البيان أن «الشعب السوري وقواه الديموقراطية [لن يسمحوا لهؤلاء] بأن يفرضوا أجنداتهم الخاصة أو استبداداً من نوع جديد». لكنْ هنا أيضاً يبدو أن جماعة «الإعلان» شعروا بأنهم قاموا بالواجب فلم يعودوا إلى الأمر، ولا يبدو أنهم اهتموا بمحاولة التواصل مع أهالي المخطوفين، ولو أهالي من كانتا ناشطتين فيه «في مرحلة من المراحل».

 أما «الإخوان المسلمون» فلم يقولوا كتنظيم كلمة واحدة عن الجريمة، ويبدو أنهم لم يجدوا ما يدعوهم إلى إدانة خاصة لها ولمرتكبيها، ولا إلى مواساة أهالي المخطوفين والتعبير عن التعاطف معهم.

وما عدا الشيخ عصام العطار، لم يشعر أي من المشايخ الإسلاميين بضرورة المطالبة بالإفراج عن المخطوفين الأربعة العزّل، أو محاولة الاتصال بذويهم والاطمئنان عليهم.

وما لم يفعله الإخوان والمشايخ، لم يفعله أيضاً أي من السلفيين والدعويين أو الحركيين أو العسكريين. الشيء الوحيد الذي استطاع قوله عضو معروف في مجلس الشورى الذي يسيطر عليه سلفيون في دوما هو: نريد دليلاً على أن أحداً من طرفنا اختطفهم! ترى، أليست وظيفة من يشغلون موقع السلطات العامة في أي مكان من العالم هي التحقيق في الجرائم وتوفير الأدلة الكافية في شأنها؟

 ولم يصدر من أي مرجع إسلامي سوري أو عربي بيان أو تصريح يدعو إلى كشف الحقيقة في خصوص هؤلاء المخطوفين الأربعة أو غيرهم.

 في المقابل، سُمعت أصوات موتورة، صوتان أو ثلاثة، تشكك في المخطوفين أو تبرر الجريمة وتوفر ذرائع لمرتكبيها.

 لدينا قضية اختطاف لأربعة مدنيين عزّل، امرأتين ورجلين، وهم مشتغلون معروفون في الشأن العام منذ سنوات قبل الثورة، وسبق لاثنين منهم، سميرة ووائل، أن كانا قيد الاعتقال عند النظام، والأربعة مغيّبون من دون معلومات عنهم منذ خطفهم. ومع ذلك لم تجد جهات عامة، سياسية ودينية وسياسية دينية، أن من واجبها متابعة الأمر أو محاولة مساعدة عوائل المخطوفين أو تطمينهم.

 يقول هذا الواقع الكثير عن هذه الجهات، أقلّه بلادة الإحساس وضعف الشعور بالمسؤولية، وغير قليل منه مجاملة المجرمين والتهيّب منهم، وبعضه مشاركة في الجريمة وتستّر عليها. فإذا كان الخاطفون يحاولون فرض أجنداتهم على الثورة، كما يقول «إعلان دمشق» و «اتحاد الديموقراطيين»، فإن الجهتين لم تظهرا اهتماماً يذكر بالدفاع عمن تتجسد فيهم أكثر من غيرهم أجندة الثورة، ومن كان اختطافهم أكبر ضربة مفردة تلقتها قيم الثورة الأصلية منذ بدايتها.

 وأكثر من الطرفين، يُساءل «الائتلاف» الذي يحوز قدرات أكبر، ويعرف وجهاؤه جيداً من اختطف الأربعة، ولا يبدو أنهم قاموا بأي جهد أو «سعي حثيث» للضغط على المجرم من أجل الإفراج عن المخطوفين، أو الحصول على معلومات عنهم، أو في أضعف الإيمان الوقوف إلى جانب أسرهم.

 في جذر هذا المسلك المخجل على الأرجح حقيقة أن عيون الجماعة مشدودة إلى فوق، إلى دوائر السلطة والنفوذ الإقليمية والدولية، وليس إلى التحت الاجتماعي السوري. ليس إلى الثورة والثائرين، بل إلى أمثال أوباما وأردوغان وهولاند…، وإلى ملوك دول وأمراء دول ومن شابه. يشعرون بالمسؤولية أمام الأقوياء لا أمام الضعفاء وعنهم. ولعلهم لذلك يظنون أن استرضاء الخاطفين المسلحين ومجاملة أسيادهم الإقليميين أولى بهم من الدفاع عن المخطوفين العزّل.

 لكن بهذا الانشغال المستمر بالسياسات العليا وأهلها، يشكل الجماعة استمراراً للنظام الأسدي الذي لطالما وضع عموم السوريين بين قوسين، وحاول جعل نفسه حاجة ضرورية للكبار في الساحة الدولية. من ينافسه في هذا المجال يخسر، والفوز في النهاية لمن يؤسس القطع معه على القطع مع نظام قيمه، هذا القائم جوهرياً على احترام الأقوياء واحتقار الضعفاء.

Advertisements