أطلقوا حضور المستحيلين

روجيه عوطة

438

ما أن وصل الملثمون المعروفون إلى مركز توثيق الإنتهاكات في دوما، حتى دخلوا إليه من باب النظام. هؤلاء، الذي ينتمون إلى “جيش الإسلام”، أو تقدموا تحت غطاء قائده زهران علوش، قرروا اعتقال مجموعة من الثوار، الذين شاركوا في تفعيل المواجهة مع النظام، وإبعادها عن ألغام التطرف أو التكدر، المزروعة هنا وهناك. رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، أدركوا، منذ انطلاقهم في معارضة الحكم البعثي، أن “الطريق” خطير، ومليء بالحفر. فالسير فيه ليس سهلاً، بل يشترط الكثير من الإستحالات، التي تتيح لصاحبها أن يتجاوز كل عائق من العوائق النظامية، صانعاً سبله، ومجرباً كل تحول، كي لا يعود إلى “سوريا الأسد”.

كان اليوم الألف من زمن المواجهة، أو السبيل الألف من طريق الثورة تحديداً، حين اعتقل أصحاب القناع الإسلامي، والوجه الأسدي، “المستحيلين”، زاجين بهم في الغياب. دفعهم إلى فعلهم الإرهابي هذا، إتفاقهم المباشر أو غيره، مع بشار الأسد، الذي من المعروف أنه يكره المستحيل الثوري، الذي يقدر على ترسيخ أي ممكن واقعي. فرزان، على سبيل المثال، قالت مرةً، في أحد الفيديوات، أنه، على الرغم من القصف والحصار، ثمة جانب “رائع، ومشوق”، لا بد أن نشاهده، كي نستمر في المقاومة. والمشاهدة، هنا، ترادف العيش، والتحرك في الواقع، الذي حتى لو كان موته قاسياً، لدرجة القتل المفضوح، لكنه، يظل “أفضل من الموت البطيء والمؤلم”. بهذه الطريقة، يبرع المستحيلون، وهم كثر خلال الثورة، في تحويل كل معنى، أكان ضيقاً أو واسعاً، وفي إحياء كل مرَغِّب، أكان طفيفاً أو فائضاً، من أجل أن يستمروا في المجابهة، حتى الوصول إلى حرياتهم.

إلا أن الخاطف المتطرف يكنّ العداء لخفة التحول، ولا تروقه سهولة الإنتقال من مكان إلى آخر. هو يريد الإستئثار بـ”كل شيء” في المعركة، ناسها، وحركتها، ومعناها، وغاياتها. في ذلك، لا يتطابق مع نظام الأسد فحسب، بل يزرعه داخل الثورة، يمارسه على أكمل وجه، قمعاً وقتلاً واستحواذاً. عليه، ارتكب جريمته، قابضاً على المستحيلين، الذين تستوي سيرهم على خطّ من خطوط الشبه، أي التواري بغاية الكفاح بصمت، من دون أي جلبة كلامية، أو نجومية إعلامية. كما لو أنهم يمثلون “الثائر الذي لا نعرفه”، الذي لا وجه له، ولا قناع، ذلك، أنه فكرتنا عن الحرية، ومحفزنا عليها. لهذا السبب، لم يتردد الملثمون في نقل تهديداتهم إلى الناشطين، ومن ثم اقتراف فعلتهم، قابضين على الإختفاء، الذي أسكنوه في الأبد، ليصبح اختطافاً.

مع العلم أن الجريمة لا يبدو أنها تهدف إلى النيل من تواري رزان وسميرة وناظم ووائل فحسب، بل أنها تبغي الوقوع بحق الإستحالة الثورية أيضاً، أي بحق التحول إلى كائن قادر على الإنتقال من اليومي إلى النضالي، بلا أن يمنعه حقدٌ على الحياة، أو يأس منها. هذا، ما تشير إليه فقرة من البيان، الذي نشرته حملة “أطلقوا نشطاء الحرية”  في فايسبوك، بحيث  تذكر الإرهابيين أن فعلتهم هي خطف للأحباء، وليس للناشطين فقط، أي أنها اعتقال لكل شخص يحب، ويصادق، وفي لحظة معينة، بامكانه أن يستحيل ثورياً، بلا أن يتناقض ذلك مع رغبته في الإجتماع مع الغير.

من هنا، لا يقتصر إرهاب الملثمين على الخطف، بل يتعداه إلى تعطيل أي تحول ثوري، قريب من الذي خاضته رزان ورفاقها، خصوصاً أن الجهة الخاطفة قد تعمد إلى إرتكاب جريمتها مرة ً أخرى، وبحق ناشطين آخرين، لا نعرفهم، ولا يرغبون في الظهور، لأن مقاومتهم ممارسة “اختفائية”، وغير معلنة.

كيف نصيِّر الإختطاف اختفاءً جديداً؟ هذا هو الإستفهام الأساس في ظل عودة النظام بأشباحه المتطرفين إلى مناطق، بذلت “كل شيء” من أجل أن تتحرر من الديكتاتور. قد لا يحتاج السؤال إلى إجابة، بل إلى أسئلة أخرى، لا بد من خلقها، كي يشاهد السوريون، على طريقة رزان، “الجانب الرئع والمشوق” من غيابها مع رفاقها، وكي يستمروا في السعي إلى تحرير كل مخطوف غير معلوم، وإلى إطلاق حضوره…الحرية لرزان وسميرة ووائل وناظم. الحرية للمخطوف الذي لا إسم له، ولا وجه.

روابط الصلة:
Advertisements